لمونديال كأس العالم ، طعمٌ خاص، حيث تجتمع أقوى المنتخبات من كافة القارات،
لتتنافس على لقب ( بطل العالم )، ورفع الكأس الذهبية الجميلة الخاصة بهذه البطولة،
وهي فرصة رائعة لعشاق كرة القدم لا تتكرر
سوى مرة واحدة كل اربع سنوات، للتجمع حول شاشة التلفاز، وممارسة طقوس المشاهدة
الجماعية اليومية للمباريات مع الأحباء والمقربين ومتابعة العديد من المباريات
الممتعة التي لا تخلو من الإثارة والتشويق وحبس الأنفاس، وهي فرصة أيضاً لتذوق
نشوة الانتصار ، ومناكفة الأصدقاء المهزومين !! .
سأحاول من خلال هذه السطور، المرور سريعا وبشكل موجز، على أهم المحطات،
واللحظات المميزة و المواقف الطريفة والنادرة، التي اختزنتها في ذاكرتي، لبطولات
كأس العالم التي شاهدتها وتابعتها.
بدأت معرفتي
بكأس العالم مع انطلاقة مونديال عام 1982 في اسبانيا ، كان ذلك اول حفل كروي
أتابعه عبر شاشة تلفازنا الملوّن الجديد، حيث استطاع هذا المونديال ان يجذبني اليه
بشكل غير مسبوق، وأذكر اني تابعت معظم المباريات حينها، وخصوصا مباريات فريقي
المفضل البرازيل، ومباريات الفرق العربية الجزائر و الكويت، لتصبح متابعة مونديال كأس العالم عادة لصيقة بي
منذ ذلك اليوم وحتى الآن، حيث أصبحت مباريات كأس العالم أحد أهم الأحداث الرياضية
في حياتي.
- قبل انطلاقة هذا المونديال شاهدت
تقريراً عن مهاجم المنتخب الايطالي باولو روسي، ولم أكن قد سمعت عن هذا
اللاعب من قبل، كان التقريرغريباً بعض الشيء، لأن التقرير أشار الى أن اللاعب
الايطالي روسي كان عائداً حديثاً من فترة ايقاف لمدة سنتين بسبب ضلوعه في
فضيحة تلاعب بنتائج إحدى المباريات في الدوري المحلي، وتم ضمه الى المنتخب
الايطالي نظراً للموهبة التي يتمتع بها وبغض النظر عن ماضيه، وتساءل مُعدّ
التقرير عما اذا كان نجم هذا اللاعب سيسطع في المونديال ام انه سيكون نقمة
على المنتخب؟ وكان باولو روسي نجم
المونديال بلا منازع، وكان السبب الرئيسي في فوز ايطاليا بكأس العالم ( برغم جميع
سوابقه) ونال لقب
هداف البطولة ايضا ليتحول من مُدان الى بطلٍ قومي.
- قام المنتخب البرازيلي بجولة في
قارة اوروبا تحضيراً لمباريات كأس العالم، والتقى فيها بأقوى الفرق الاوروبية
وأذكر منها المنتخب الانجليزي، وفاز المنتخب البرازيلي في جميع المباريات وبفارق
كبير من الأهداف، وكان هو الفريق المرشح من قبل جميع النقاد للفوز بالبطولة،
وكان يضم في صفوفه أفضل النجوم على الإطلاق أمثال زيكو وفالكاو وسقراط
وجونيور وايدر.
- تزامنت البطولة مع شهر رمضان
الكريم، ومع الغزو الاسرائيلي للبنان، وكان النهار مقسوما بين نشرات الأخبار
الإذاعية، وبين متابعة المونديال، والإعداد لوجبة الإفطار، وكانت السهرات
الرمضانية عامرة بالحديث عن السياسة والحرب، وأخبار المونديال، وارتفاع درجة
الحرارة، ومعاناة الصائمين.
- شارك في هذا المونديال 24 فريقا
لأول مرة في تاريخ كأس العالم بدلا من 16 فريقا، مما أضفى جمالاً للبطولة والتي
تعد من أفضل بطولات كأس العالم على الأطلاق.
- كنا نتابع المباريات عبر محطات
التلفزيون الارضية، التلفزيون الأردني والسوري، وكان نقل المباريات مجانياً
مما سهل عملية انتشار اللعبة، وارتفاع شعبيتها ووصولها الى بيت كل مواطن بيسر
وسهولة، لا أذكر ان كان هناك تعليقاً عربياً مباشراً من أرض الملعب، ولكني
أذكر صوت المعلق السوري الراحل عدنان بوظو الذي كان مميزا للغاية ، وكان من
عشاق السامبا البرازيلية.
- المباراة الاولى للفريق
البرازيلي كانت ضد الاتحاد السوفياتي، وأذكر أن والدي رحمه الله، كان متحمساً
جداً للفريق السوفياتي، برغم انه من المناصرين للفريق البرازيلي ( بالفطرة )،
ويعود السبب في ذلك الى أن الاتحاد السوفياتي كان متعاطفا مع قضية فلسطين والعرب
وخصوصا في حرب لبنان، وكان قد طالب اسرائيل بوقف الحرب على لبنان والانسحاب
منها، بل أنه هدد اسرائيل بأنه سيستخدم القوة ان لزم الأمر لإجبار اسرائيل
على انهاء الحرب، وكان لهذا الأمر مفعول السحر على عواطف الناس حينها، لينعكس
ذلك على تشجيع الفريق السوفياتي بحرارة، ولكن البرازيل فازت في النهاية 1 – 2.
- الفريق البرازيلي لعب بدون حارس
مرمى، بمعنى أن وجوده وعدم وجوده سيّان، حيث كان مستوى حارس المرمى لا يتعدى
مستوى لاعب هاوي في حارات أي بلد ( هاوٍ )، وكانت الكرات المسددة على المرمى
البرازيلي جميعها خطيرة، ان لم تترجم الى هدف، بسبب أخطاء حارس المرمى، وكان
مركز حارس المرمى غير مرغوب فيه من قبل اللاعبين البرازيليين آنذاك، حيث
كانوا يفضلون اللعب في مركز خط الهجوم او الوسط، وكان سوء مستوى حارس المرمى
هو السبب الحقيقي لخروج البرازيل من المونديال بدون تتويج، بالاضافة الى
تواضع الأداء الدفاعي، رغم التفوق الهجومي الواضح للبرازيل وقتها.
- الفريق الجزائري قدم مستويات
رائعة وفاز في الافتتاح على الفريق الألماني، ولكنه تعرض لمؤامرة من قبل الجارتين
(المانيا والنمسا)، أدت الى خروجه من الدور الأول، لتقوم الفيفا لاحقاً بتعديل
توقيت المباريات الأخيرة في الدور الأول لتقام في نفس الوقت، في محاولة لمنع
التلاعب بالنتائج، وكانت هذه واحدة من أكبر فضائح بطولات كأس العالم.
- فوز الجزائر في المباراة الاولى
أمام المانيا كان مفاجأة البطولة وحديث الشارع، وتحول نجوم المنتخب الجزائري
الى أبطال حقيقيين في الشارع العربي، ومنهم رابح مادجر والأخضر بللومي،
والحارس سرباح. عموماً الجزائر قدمت أداءاً مشرفاً ، فازت في مباراتين وخسرت
واحدة امام النمسا.
- فريق الكويت كان اداؤه سيئاً في
البطولة، وتعرض لخسارتين امام انجلترا وفرنسا، وحقق تعادلا وحيدا مع تشيكوسلوفاكيا،
ومن المواقف الطريفة في مباراة الكويت وفرنسا، التي كان حاضراً فيها وزير
الرياضة الكويتي الشيخ فهد الأحمد الصباح، حيث كانت النتيجة تشير الى تقدم
فرنسا 1 – 3، وما لبثت ان سجلت فرنسا هدفاً رابعاً، احتج اللاعبون الكويتيون
على هذا الهدف بحجة أنهم سمعوا صافرة من المدرجات قبل انطلاقة اللاعب الفرنسي
بالكرة وتسجيله للهدف، حيث اعتقدوا انها صافرة الحكم، وتوقفوا عن اللعب
معتقدين ان اللاعب الفرنسي في موقف تسلل، الا انه تابع الكرة وسجل هدفا، وقام
الحكم باحتسابه، وتوقفت المباراة نتيجة الإعتراض، وانسحب اللاعبون من أرض
الملعب، ونزل الشيخ فهد الى أرض الملعب في حادثة فريدة من نوعها، وأعترض على
الهدف بشدة، وبعد التشاور، قرر الحكم الغاء الهدف مُسجلاً سابقة فريدة في
تاريخ كأس العالم لتنتهي المباراة 3 – 1 !!!، الا أن الفيفا بعد ذلك ثبّت
الهدف في نتائجه الرسمية وغرّم الاتحاد الكويتي، وطرد الحكم من المونديال .......
لا تعليق !!!.
- كان الجميع يترقب مارادونا،
وماذا سيفعل في هذه البطولة، الا أن الارجنتين "بطلة النسخة
السابقة" خسرت
في الافتتاح امام بلجيكا، وتأهلت الى الدور الثاني بصعوبة، وخرجت دون ان تقدم
شيئاً يُذكر، وكذلك فعل نجمها مارادونا، الذي ودّع المونديال بالكرت الأحمر
في مباراة البرازيل و الارجنتين لتعمده الخشونة، والطريف في الأمر أن مدرب
البرازيل ( تيلي سانتانا ) وهو أحد أفضل المدربين على مستوى العالم في القرن
الماضي، عندما سأله أحد الصحفيين قبل المباراة عن اسم اللاعب الذي سيوكل له
مهمة مراقبة مارادونا، اجاب انه لن يخسر مجهود لاعب برازيلي من أجل مراقبة
مارادونا، وأضاف أن مارادونا لن يخضع لمراقبة استثنائية، واذا كان مارادونا
لديه ما يقدمه فليقدمه، فنحن لدينا ما نقدمه ايضاً، وبالفعل كان ذلك، حيث
سحقت البرازيل غريمتها الارجنتين بالثلاثة في واحدة من أجمل مباريات البطولة.
- مباراة البرازيل وايطاليا ،
والتي فاز فيها الطليان 2 – 3 وأدت الى خروج البرازيل بفضل ثلاثية باولو روسي،
لم تُبث على شاشات التلفزيون العربية، سواءً على تلفزيوننا الأردني، او تلفزيون
جارتنا سوريا، لأن حكم المباراة يحمل الجنسية الاسرائيلية، واضطررنا حينها أن
نتابع المباراة على شاشة التلفزيون الاسرائيلي، كان ذلك أبان المقاطعة
العربية لاسرائيل ، قبل ان نتحول الى التطبيع !!!!
- مباراة ايطاليا والبرازيل بدأت
بدايةً نارية، تقدمت ايطاليا سريعاً بهدف لروسي من خطأ مشترك بين الدفاع
والحارس في الدقائق الأولى للمباراة، وبعد عشرة دقائق حقق سقراط ( الطبيب )
هدف التعادل من كرة زاحفة وضعها على يسار زوف من زاوية صعبة، ثم ما لبث
الدفاع البرازيلي أن أهدى ايطاليا هدفاً ثانياً لينتهي الشوط الاول بتقدم
ايطاليا 1 – 2. بدأ الشوط الثاني بهجوم كاسح من الفريق البرازيلي لتحقيق
التعادل الذي يكفيه للانتقال الى المباراة نصف النهائية، قابله دفاع مستميت
من ايطاليا وتألق كبير لحارسها زوف الذي تصدى لأكثر من هدف محقق للبرازيل،
ناهيك عن مساعدة القائم والعارضة، وكان هذا الشوط أشبه بلعبة ( الجول
الانجليزي ) التي كنا نلعبها في الحارات الشعبية، والتي يكون فيها مرمى واحد
فقط، وبالفعل كانت الكرة لا تغادر ملعب الطليان، ولم يكن الطليان قادرين على
الاحتفاظ بالكرة، وكل كراتهم كانت مشتتة. استطاع فالكاو أن يسجل هدفاً رائعاً
من تسديدة بعيدة ليضع البرازيل على بعد لحظات من التأهل، وفي الدقائق العشر
الأخيرة ومن ضربة ركنية ، أخطأ حارس المرمى البرازيلي في التقاط الكرة لتصل
سهلة الى باولو روسي غير المراقب ليضعها في الشباك هدف الفوز لايطاليا.
- دينو زوف الايطالي كان أفضل حارس
في البطولة، وكان قد بلغ الأربعين من العمر، وكان ينافسه الحارس الألماني
شوماخر.
- حصان البطولة كان الفريق الفرنسي،
برغم خسارته في مباراته الاولى مع انجلترا، الا انه انتفض وقدم مستويات رائعة،
ولمع نجم ميشيل بلاتيني، وجيريس وتيجانا، وكانت هذه البطولة بمثابة مولد مُنافس
جديد على مستوى الكرة العالمية، منتخب اوروبي أنيق للغاية في أدائه، واستطاع
الفرنسيون الوصول الى نصف النهائي حيث التقوا مع المانشافت الألماني الذي كان
يضم رومينجه و روبيش وليتبارسكي، في واحدة من امتع مباريات البطولة، وبعد انتهاء
الوقت الأصلي بالتعادل بهدف، تقدم الفرنسيون بثلاثة أهداف لهدف في الوقت
الإضافي، وعندما شعر الجميع أن المباراة انتهت لصالح فرنسا، عاد الألمان من
بعيد وحققوا التعادل، ليقف الحظ الى جانبهم في ركلات الترجيح ويتمكنوا من
بلوغ الدور النهائي، وشهدت هذه المباراة حادثة مؤسفة تمثلت في التحام الحارس
الآلماني ( شوماخر ) مع أحد المهاجمين الفرنسيين بطريقة عنيفة جداً ومتعمدة
أدت الى غياب اللاعب الفرنسي عن الوعي وكادت أن تودي بحياته، ولم يتخد الحكم
أي إجراء بحق الحارس برغم اعتراضات اللاعبين الفرنسيين وأعضاء الجهاز الفني، واستهجان
الجمهور، وأحتلت صور هذه الحادثة مساحات كبيرة في وسائل الإعلام بعد المباراة
.
- الفريق الفرنسي المشارك في هذه
البطولة واصل تألقه بحصوله على بطولة اوروبا بعد عامين، بفضل تألق لاعبه
ميشيل بلاتيني، اللاعب الأنيق، رئيس الاتحاد الاوروبي لكرة القدم حاليا.
- البطولة شهدت أسرع هدف في
مباريات كأس العالم، وكان هدف انجلترا الأول في مرمى فرنسا في الدقيقة الاولى
من المباراة، والتي انتهت بفوز انجلترا 1 – 3.
- الفريق الانجليزي الذي ضم العديد
من النجوم على رأسهم النجم كيفن كيجان خرج من البطولة برغم أنه لم يتعرض الى
أي هزيمة، هل تصدقون !!! الدور الثاني كان يقام على نظام المجموعات، حيث تضم
كل مجموعة ثلاثة فرق، وقعت انجلترا في مجموعة واحدة مع المانيا واسبانيا،
وانتهت مباراتي انجلترا بالتعادل، الا أن الفريق الألماني تأهل بسبب فوزه على
الفريق الاسباني المضيف.
- الغائب الأكبر عن هذه البطولة
كان الفريق الهولندي صاحب الكرة الشاملة، الذي أبدع في البطولتين السابقتين
وأبهر العالم بادائه الجميل، حيث وصل الى المباراة النهائية في البطولتين
وخسر مرتين متتاليتين أمام مسضيف البطولة، واحتاج الفريق الهولندي الى عشرة
سنوات كاملة لإعادة بناء فريقه من جديد بعد انجاب جيل جديد من اللاعبين
المبدعين أمثال فان باستن، خوليت، رايكارد، وكويمان الذين استطاعوا تحقيق اول
بطولة كبرى لبلادهم عام 1988 الا وهي بطولة اوروبا.
- برغم الأداء الباهت لايطاليا في
الدور الأول وتأهلها بفارق الأهداف عن الكاميرون في أضعف مجموعات البطولة فنياً،
والتي انتهت جميع مبارياتها بالتعادل ، تخيلوا !!! الا أن ايطاليا فجرت
مفاجأة بفوزها على الارجنتين في الدور الثاني، واكملت المفاجأة بالفوز على
البرازيل، لتصل الى المباراة النهائية بعد تفوقها على بولندا الضعيفة، وتحرز
اللقب على حساب الألمان، وضم المنتخب الايطالي نجوماً عدة أبرزهم تاراديللي،
وبيرغومي، وجنتيللي، وانطونيوني، والتوبيللي.
- المباراة النهائية شهدت تفوقاً
واضحاً للطليان على حساب الألمان، وأنتهت بفوز الطليان 1 – 3، والمُفرح في
الموضوع، أن المنتخب الإيطالي أهدى كأس العالم للشعب الفلسطيني بسبب العدوان
الاسرائيلي عليه والذي تزامن مع اقامة بطولة كأس العالم ، شكراً لايطاليا.
- فرحة اللاعب تاراديللي بتسجيله
هدفاً جميلاً في المباراة النهائية، كانت شيئاً مميزاً للغاية، حيث انطلق في
أرجاء الملعب صارخاً فاتحاً ذراعيه، وتعابير الفرح والبكاء على وجهه، كانت
هذه بالفعل لقطة المونديال.
- كانت البرازيل الأفضل أداءاً
والأمتع والأحلى، وكانت فاكهة البطولة بالفعل، سجلت خمسة عشر هدفاً من أجمل
أهداف كأس العالم على الإطلاق، في خمسة مباريات لعبتها، وحققت معدلاً تهديفياً
وصل الى ثلاثة اهداف في المباراة الواحدة، وما زالت هذه الأهداف عالقة في
ذهني، كما هو الحال مع جميع من تابع هذه البطولة الرائعة بالفعل.
أيمن أبو لبن
13-7-2010
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق